وهذه النصوص تشير إشارة صريحة إلى الفساد الذي حصل في البر
والبحر والجو بفعل معاصي المدنية الحديثة، التي أرادت أن توفر الترف لثلة قليلة
تمتص أموالها على حساب صحة الأرض وجمالها وصلاحيتها للحياة.
وكما كان كسب
الإنسان هو السبب فيما حصل للأرض من مصائب، وما حصل لأهلها نتيجة لذلك من بلاء
تخبرنا النصوص أن كل المعاصي صغرت أو كبرت هي الحائل بين الإنسان والرحمة الصرفة،
أو هي المزيج المؤلم الذي يكدر الرحمة، ويظهرها بمظهر العقوبة والألم.
ولذلك قال تعالى مخبرا عن مقالة الملائكة المقربين من حملة العرش، ومن حوله:﴿ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ
يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (غافر:9)
ولهذا كان لكل
مخالفة شرعية من الآلام ما يكدر صفو الرحمة النازلة مع ذلك الأمر التشريعي، قال
تعالى مشيرا إلى هذا المعنى:﴿ وَأَنِ
احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ
وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ
تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ
ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ (المائدة:49)
وسر ذلك هو أن
التكاليف الشرعية هي نفسها رحمة، فلذلك كان مجرد مخالفتها ألما قد يشعر به الإنسان
الحساس في حينه، وقد يغفل عنه إلى أن تتراكم الآلام، فيهتز ميزان الرحمة في نفسه.
فالمعصية بذلك تشبه
وضع الإنسان نفسه في مواضع العطب، فإنه في حينها قد يغفل عن جراحه لحرارة ما هو
فيه من معصية، فإذا ما انطفأت تلك الحرارة في نفسه عادت الآلام لتشعره بجروحه
الكثيرة.