إنما النحو قياس يُتبع وبه في كل أمر يُنتفع
وأشيد بمنزلة الفراء في التعليل والقياس، وقد خالف الكسائي في كثير مما ذهب إليه ووافق البصرية في إنكار القياس على الشاهد الواحد وإنكار القراءات الشاذة. وكان يحتج بقراءة الكسائي وحمزة وابن مسعود، ولا يصد عن قراءة الأمصار الأخرى كقراءة أهل البصرة والمدينة ومكة والشام.
نهج الكوفية:
وهكذا اعتمد الكوفيون على السماع والقياس، كما فعل البصريون. وكان أوائلهم أعنى بالسماع منهم بالقياس وأشد حرصاً على الوصف منهم على التعليل، كما كان أوائل البصريين أنفسهم. وإذا كان الكوفيون لم يدركوا شأو البصريين في الأخذ بالقياس، وكانوا أدنى إلى القصد منهم إلى الإيغال في هذا المضمار فليس صحيحاً أنهم عولوا على كل مسموع كما يُفهم مما جاء في (الإنصاف في شرح مسائل الخلاف) وصاحبه أبو البركات وهو من أئمة البصرية. ولو صح أن الكوفيين يعملون بكل شاذ ويقيسون عليه، لما استقام لهم أصل أو حكم أو قياس. ولست أشايع أو أجاري الأستاذ أحمد أمين، رحمه الله، فيما جاء به في كتابه ضحى الإسلام (2/259) حين قال: "أما الكوفيون فلم يروا هذا المسلك ورأوا أن يحترموا كل ما جاء عن العرب ويجيزوا للناس أن يستعملوا استعمالهم، ولو كان الاستعمال لا ينطبق على القواعد العامة. بل يجعلون الشذوذ أساساً لوضع قاعدة عامة". أقول إني لأستكثر هذا القول ولو شد منه ما قال بعض الأئمة في الكسائي خاصة في هذا الصدد. قال ابن درستويه (347هـ) في (بغية الوعاة.. 2/164) : "كان الكسائي يسمع الشاذ الذي لا يجوز إلا في الضرورة فيجعله أصلاً ويقيس عليه فأفسد بذلك النحو". وقصارى ما في الأمر أن الكوفيين إذا اعتمدوا مسموعاً وقاسوا عليه فقد اعتدّوه لغة يحسن الأخذ بها لأنها لغة قوم من العرب لا يرقى الشك إلى فصاحتها ولو قلَّت، لكنهم لا يعوّلون على كل مسموع فقد تخيَّر الكسائي والفراء من فصيح الشعر شواهد ليست أدنى منزلة من شواهد