responsiveMenu
فرمت PDF شناسنامه فهرست
   ««صفحه‌اول    «صفحه‌قبلی
   جلد :
صفحه‌بعدی»    صفحه‌آخر»»   
   ««اول    «قبلی
   جلد :
بعدی»    آخر»»   
نام کتاب : مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح نویسنده : القاري، الملا على    جلد : 1  صفحه : 93
كُنَّ، وَالثَّالِثُ: أَكْثَرُ، أَيْ أُعْلِمْتُ بِأَنَّكُنَّ أَكْثَرُ دُخُولًا فِي النَّارِ مِنَ الرِّجَالِ، وَالصَّدَقَةُ تَقِي مِنْهَا. كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ، اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ؛ وَلِأَنَّ عِلَّةَ كَوْنِهِنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ مَحَبَّتُهُنَّ لِلدُّنْيَا، وَبِالتَّصَدُّقِ يَزُولُ، أَوْ يُنْقَصُ رَذِيلَةُ الْبُخْلِ النَّاشِئِ عَنْ مَحَبَّتِهَا الْمَذْمُومَةِ، وَلِهَذِهِ النُّكْتَةِ وَرَدَ: ( «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى» ) . (فَقُلْنَ: وَبِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) أَصْلُهُ بِمَا حُذِفَتْ أَلْفُ مَا الِاسْتِفْهَامِيَّةِ بِدُخُولِ حَرْفِ الْجَرِّ عَلَيْهَا تَخْفِيفًا، وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُقَدَّرٍ بَعْدَهَا، وَالْوَاوُ إِمَّا لِلْعَطْفِ عَلَى مُقَدَّرٍ قَبْلَهُ، وَالتَّقْدِيرُ: فَقُلْنَ كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ، وَبِأَيِّ شَيْءٍ نَكُونُ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ؟ أَوْ زَائِدَةٌ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِمَا قَبْلَهُ لَا سُؤَالٌ مُسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ مُنْقَطِعٌ عَمَّا قَبْلَهُ. (قَالَ: تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ) أَصْلُهُ إِبْعَادُ اللَّهِ تَعَالَى الْعَبْدَ مِنْ رَحْمَتِهِ بِسَخَطِهِ، وَمِنَ الْإِنْسَانِ الدُّعَاءُ بِالسَّخِطِ وَالْإِبْعَادِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ، وَفِيهِ مُصَادَرَةٌ لِسَعَةِ رَحْمَتِهِ الَّتِي سَبَقَتْ غَضَبَهُ، وَمِنْ ثَمَّ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِهِ لِمُعَيَّنٍ، وَلَوْ كَافِرًا لَمْ يُعْلَمْ مَوْتُهُ عَلَى الْكُفْرِ يَقِينًا؛ إِذْ كَيْفَ يُبْعَدُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ خَاصَّةُ أَمْرِهِ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا فِي الْحَالَةِ الرَّاهِنَةِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَمُوتَ مُسْلِمًا؟ بِخِلَافِ مَنْ عُلِمَ مِنَ الشَّارِعِ مَوْتُهُ كَافِرًا كَأَبِي جَهْلٍ، أَوْ أَنَّهُ سَيَمُوتُ كَذَلِكَ كَإِبْلِيسَ فَإِنَّهُ لَا حَرَجَ فِي لَعْنِهِ، وَبِخِلَافِ اللَّعْنِ لَا لِمُعَيَّنٍ بَلْ يُوصَفُ كَلَعْنِ اللَّهِ الْوَاصِلَةَ وَآكِلَ الرِّبَا وَالْكَاذِبَ؛ لِأَنَّهُ يَنْصَرِفُ إِلَى الْجِنْسِ، وَلَعَلَّ وَجْهَ التَّقْيِيدِ بِالْإِكْثَارِ أَنَّ اللَّعْنَ يَجْرِي عَلَى أَلْسِنَتِهِنَّ لِاعْتِيَادِهِنَّ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ؛ لِمَعْنَاهُ السَّابِقِ، فَخَفَّفَ الشَّارِعُ عَنْهُنَّ وَلَمْ يَتَوَعَّدْهُنَّ بِذَلِكَ إِلَّا عِنْدَ إِكْثَارِهِ، وَنَظِيرُهُ مَا قَالَهُ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ: إِنَّ الْغِيبَةَ صَغِيرَةٌ، وَوَجَّهُوهُ بِأَنَّ النَّاسَ ابْتُلُوا بِهَا، فَلَوْ كَانَتْ كَبِيرَةً عَلَى الْإِطْلَاقِ كَمَا جَرَى عَلَيْهِ كَثِيرُونَ، بَلْ حُكِيَ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ - لَلَزِمَ تَفْسِيقُ النَّاسِ كُلِّهِمْ أَوْ غَالِبِهِمْ، وَفِي ذَلِكَ حَرَجٌ أَيُّ حَرَجٍ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي الشَّتْمِ وَالْكَلَامِ الْقَبِيحِ يَعْنِي: عَادَتُكُنَّ إِكْثَارُ اللَّعْنِ وَالشَّتْمِ وَالْإِيذَاءِ بِاللِّسَانِ (وَتَكْفُرْنَ) : بِضَمِّ الْفَاءِ (الْعَشِيرَ) أَيِ الْمُعَاشِرَ الْمُلَازِمَ، وَهُوَ الزَّوْجُ هَاهُنَا، وَكُفْرَانُهُ جَحْدُ نِعْمَتِهِ وَإِنْكَارُهَا، أَوْ سَتْرُهَا بِتَرْكِ شُكْرِهَا. وَفِي الْحَدِيثِ: ( «وَمَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ» ) يَعْنِي شُكْرًا كَامِلًا فَإِنَّهُ شَكَرَ الْمُسَبَّبِ وَلَمْ يَشْكُرِ السَّبَبَ، وَاسْتِعْمَالُ الْكُفْرَانِ فِي النِّعْمَةِ وَالْكَفْرِ فِي الدِّينِ أَكْثَرُ. (مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ) " مِنْ " مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْرَاقِ، صِفَةٌ لِمَفْعُولِهِ الْمَحْذُوفِ أَيْ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْ نَاقِصَاتٍ، وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِإِحْدَاكُنَّ عَلَى الْمُبَالَغَةِ أَوْ بِالْعَكْسِ، وَقَوْلُهُ: (أَذْهَبَ) : صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ أَحَدًا، وَعَلَى الْأَوَّلِ صِفَةٌ أُخْرَى لَهُ إِنْ كَانَ بِمَعْنَى أَبْصَرْتُ، وَمَفْعُولٌ ثَانٍ لَرَأَيْتُ إِنْ كَانَ بِمَعْنَى عَلِمْتُ، وَالْمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَفْرُوضٌ مُقَدَّرٌ، وَهُوَ أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ مِنَ الْإِذْهَابِ؛ لِمَكَانِ اللَّامِ فِي قَوْلِهِ: (لِلُبِّ الرَّجُلِ) فَمَعْنَاهُ: أَكْثَرُ إِذْهَابًا لِلُّبِّ، وَهَذَا جَائِزٌ عَلَى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ كَـ " هُوَ أَعْطَاهُمْ لِلدَّرَاهِمِ "، ثُمَّ الْعَقْلُ غَرِيزَةٌ يُدْرَكُ بِهَا الْمَعْنَى، وَيَمْنَعُ عَنِ الْقَبَائِحِ، وَهُوَ نُورُ اللَّهِ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ، وَاللُّبُّ الْعَقْلُ الْخَالِصُ مِنْ شَوْبِ الْهَوَى (الْحَازِمِ) صِفَةُ الرَّجُلِ أَيِ الضَّابِطُ أَمْرَهُ، وَفِي ذِكْرِهِ مَعَ ذِكْرِ اللُّبِّ إِشْعَارٌ بِأَنَّ فِتْنَتَهُنَّ عَظِيمَةٌ تَذْهَبُ بِعُقُولِ الْحَازِمِينَ، فَمَا ظَنُّكَ بِغَيْرِهِمْ؟ (مِنْ إِحْدَاكُنَّ) مُتَعَلِّقٌ بِأَذْهَبَ، وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ: مِنْكُنَّ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَةَ إِذَا كَانَتْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ الذَّمِيمَةِ فَكَوْنُهُنَّ عَلَيْهَا أَوْلَى مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، وَمَا أَحْسَنُ قَوْلِ جَرِيرٍ فِي وَصْفِ عُيُوبِهِنَّ:
يَصْرَعْنَ ذَا اللُّبِّ حَتَّى لَا حِرَاكَ بِهِ وَهُنَّ أَضْعَفُ خَلْقِ اللَّهِ أَرْكَانًا
(قُلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) مَعَ أَنَّ دِينَنَا وَدِينَ الرَّجُلِ وَاحِدٌ، وَكُلُّنَا مَعْدُودُونَ مِنْ ذَوِي الْعُقُولِ، وَلَعَلَّهُنَّ خَالَفْنَ التَّرْتِيبَ السَّابِقَ الْمُوَافِقَ لِلَّاحِقِ؛ إِشَارَةً إِلَى الِاهْتِمَامِ بِأَمْرِ الدِّينِ لِيَتَدَارَكْنَ إِنْ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُهُ التَّدَارُكُ، أَوْ إِيمَاءً إِلَى نُقْصَانِ عَقْلِهِنَّ حَيْثُ مَا رَاعَيْنَ كَلَامَ النُّبُوَّةِ، وَمَا فَهِمْنَ وَجْهَ التَّرْتِيبِ مِنْ أَنَّ نُقْصَانَ الْعَقْلِ أَمْرٌ جِبِلِّيٌّ مُقَدَّمٌ فِي الْوُجُودِ، وَنُقْصَانُ الدِّينِ أَمْرٌ حَادِثٌ، أَوْ لِأَنَّ الْغَالِبَ إِنَّمَا يَنْشَأُ نُقْصَانُ الدِّينِ مِنْ نُقْصَانِ الْعَقْلِ، ثُمَّ هَذَا السُّؤَالُ مِنْ حَذَاقَةِ أُولَئِكَ الْحَاضِرَاتِ، وَمِنْ ثَمَّةَ مَدَحَهُنَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: ( «نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ، لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ» ) ، وَفِي هَذَا وَمَا قَبْلَهُ حَثٌّ لِلْمُتَعَلِّمِ عَلَى مُرَاجَعَةِ الْعَالَمِ فِيمَا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ مَعْنَاهُ قَالَ: ( «أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ» ) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} [البقرة: 282]

نام کتاب : مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح نویسنده : القاري، الملا على    جلد : 1  صفحه : 93
   ««صفحه‌اول    «صفحه‌قبلی
   جلد :
صفحه‌بعدی»    صفحه‌آخر»»   
   ««اول    «قبلی
   جلد :
بعدی»    آخر»»   
فرمت PDF شناسنامه فهرست