وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ متحدثا عن حسن الخلق والعفو، والإحسان إلى من أساء: "وما رأيت أحدا أجمع لهذه الخصال من شيخ الإسلام ـ قدس الله روحه ـ
وكان بعض أصحابه الأكابر يقول: وددت أني لأصحابي مثله لأعدائه.
وما رأيته يدعو على أحد منهم قط، وكان يدعو لهم.
وجئت يوما مبشرا له بموت أكبر أعدائه، وأشدهم عداوة وأذى له ـ فنهرني، وتنكر لي، واسترجع، ثم قام من فوره إلى بيت أهله، فعزاهم، وقال: إني لكم مكانه، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه، ونحو هذا من الكلام.
فسروا به، ودعوا له، وعظموا هذه الحال منه، فرحمه الله ورضي عنه"[1].
فإذا كان الأمر كذلك فإنه يجدر بالعاقل ـ كما قال ابن حبان ـ "توطين نفسه على لزوم العفو عن الناس كافة، وترك الخروج لمجازاة الإساءة؛ إذ لا سبب لتسكين الإساءة أحسن من الإحسان، ولا سبب لنماء الإساءة وتهييجها أشد من الاستعمال بمثلها"[2].
وقد يظن ظان أن العفو عن المسيء، والإحسان إليه مع القدرة عليه ـ موجب للذلة والمهانة، وأنه قد يجر إلى تطاول السفهاء.
وهذا خطأ؛ ذلك أن العفو والحلم لا يشتبه بالذلة بحال؛ فإن [1] مدارج السالكين2/328ـ329. [2] روضة العقلاء، ص131.