نام کتاب : مذاهب فكرية معاصرة نویسنده : قطب، محمد جلد : 1 صفحه : 378
نشأته- له مقاييسه الخاصة التي يختلف فيها عن كل الكائنات من حوله، ولقد مرت بنا شهادة الداروينية الحديثة بشأن تفرد الإنسان في كل جوانب تكوينه وجوانب حياته، ومن بين جوانب تفرده أنه متفرد كذلك في معاييره فلا تنطبق عليه معايير المادة الجامدة ولا معايير النبات ولا معايير الحيوان.
ومعيار الإنسان -الذي تفرد به بين المخلوقات- أن له طريقين: طريق الهدى وطريق الضلال، وأنه صاعد إذا سار في طريق الهدى وهابط إذا سار في طريق الضلال؛ لأن طريق الهدى هو الذي يؤكد على "القيم الإنسانية" التي جعلت الإنسان إنسانا من مبدأ حياته، وطريق الضلال هو الذي يجانب تلك القيم ويضيعها.
وخط التاريخ البشري -كما هو معلوم من التاريخ- خط متذبذب على الدوام بين طريق الهدى وطريق الضلال. ولذلك فهو متذبذب على الدوام بين الصعود والهبوط، بين الرفعة والانتكاس، وليس خطا صاعدا على الدوام متقدما على الدوام كخط التقدم العلمي والتكنولوجي، وليست المسألة أن هذه وجهة نظر وتلك وجهة نظر أخرى على مستوى واحد من احتمال الصحة والخطأ، فإن مادية الإنسان لا يوجد عليها دليل علمي واحد، بينما توجد عشرات الأدلة ومئاتها على إنسانية الإنسان، ومن ثم يتضح طريق الخطأ وطريق الصواب!
إنما أراد الماديون أن يثبتوا التطور المستمر "التقدمي" في حياة الإنسان لسببين رئيسيين:
الأول: أن يقولوا إن الفساد الخلقي والتحلل الديني الذي وجد في المجتمع الصناعي كان خطوة "تقدمية".
والثاني: أن يقولوا إن الشيوعية خطوة تقدمية.
فمن أراد أن يكون "تقدميا" فلينبذ بادئ ذي بدء دينه وأخلاقه، ثم ليكن شيوعيا في نهاية المطاف!
ولا هذا ولا ذاك حقيقة علمية، إنما هي الأهواء والشهوات.
{وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} [1]. [1] سورة المؤمنون: 71.
نام کتاب : مذاهب فكرية معاصرة نویسنده : قطب، محمد جلد : 1 صفحه : 378