قال: كنت أعرف الخطة التي أعدها مدير السجن.. والتي أراد بها
أن يستثمر دماء الضحايا في سبيل تلك الغاية النبيلة التي حدثكم عنها.. هو ـ يحكم
منصبه ـ لم يكن يملك إلا التنفيذ.. ولكني بحكم منصبي، وبحكم علاقتي السابقة بأولئك
الشهداء الطيبين، جلست إليهم واحدا واحدا.. وأخبرتهم بما سيحصل لهم.. وخيرتهم بين
أن أنقذهم من الموت الذي ينتظرهم، وبين أن يموتوا تلك الموتة التي رأيتموها..
قلنا: فهل اختاروا الموت؟
قال: أجل.. كلهم اختار أن يموت تلك الموتة الشريفة.. وكلهم
ردد علي قصة تضحية عظيمة حدث بها النبي صلیاللهعلیهوآلهوسلم أصحابه ليستلهموا منها معاني التضحية في سبيل المبدأ، ويعرفوا من
خلالها عظمة تأثير التضحية في تحقيق المبادئ على أرض الواقع.
قلنا: فحدثنا عنها.
قال: لقد حدث رَسُول اللَّهِ a قال: كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له
ساحر، فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت فابعث إلي غلاما أعلمه السحر. فبعث إليه
غلاما يعلمه، وكان في طريقه إذا سلك راهب فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه، وكان إذا
أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه فإذا أتى الساحر ضربه فشكا ذلك إِلَى الراهب
فقال: إذا خشيت الساحر، فقل: حبسني أهلي وإذا خشيت أهلك فقل: حبسني الساحر.
فبينما هو عَلَى ذلك إذ أتى عَلَى دابة عظيمة قد حبست الناس.
فقال: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل؟ فأخذ حجرا فقال: اللَّهم إن كان أمر
الراهب أحب إليك مِنْ أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس. فرماها فقتلها
ومضى الناس. فأتى الراهب فأخبره فقال له الراهب: أي نبي أنت اليوم أفضل مِني قد
بلغ مِنْ أمرك ما أرى! وإنك ستبتلى فإن ابتليت فلا تدل علي.