وإذا كان لا بد من التوجه إلى القياس ما سمحت به طرائق العربية فذلك أنه المعول عليه في نماء اللغة وارتقائها والسبيل إلى تسني ما تعسَّر فعزّ مناله من نادّها وشاردها لتكفي اللغة ما تُستكفى وتؤدي ما تُستأدى، مسايرة لشؤون العصر ومستحدثاته. وقد عبَّر عن ذلك الأستاذ محمد الخضر حسين، رحمه الله، في كتابه (دراسات في اللغة العربية) فقال: "والعلوم تتدفق تدفق السيل، ومقتضيات المدنية تتجدد تجدد النهار والليل. وكل من المعاني العلمية والمرافق الحيوية يحتاج إلى أسماء تلتئم مع سائر الألفاظ العربية التئام الدرر النقية في أسلاكها"، وقال: "فالقياس طريق يسهل به القيام على اللغة، ووسيلة تمكن الإنسان من النطق بآلاف من الكلم والجمل دون أن تقرع سمعه من قبل، أو يحتاج في الوثوق من صحة عربيتها إلى كتب اللغة أو الدواوين الجامعة لمنثور العرب ومنظومها".
لكن ما نعنيه بالقياس هنا هو قياس التصريف والاشتقاق، وقياس النقل والمجاز وما يستتبع ذلك من تدرج المعاني.
أما قياس النحو الذي يراد به الاستدلال الذهني لاستنباط القواعد وتعليلها، وهو مدار علم النحو عند الأئمة، فلا بد من التنكب عن الغلو فيه. ذلك أن في تحكيم المقاييس العقلية في كثير من مسائل ما يضيِّق واسعاً ويمنع سائغاً، بل يحظر صحيحاً فصيحاً. فطرائق العربية لا تقاس بمقاييس عقلية كما تقاس مسائل المنطق وقضايا الفلسفة وعلم الكلام. وليس الوجه أن يقال: "النحو كله قياس" كما قال أبو البركات ابن الأنباري في كتابه (لمع الأدلة/ 95) ، في الرد على من أنكر القياس، وأضاف: "إذا بطل أن يكون النحو رواية ونقلاً وجب أن يكون قياساً وعقلاً". فاعتقاد ما للقياس من شأن في نشأة النحو واستنباط أحكامه ورسم حدوده وتقعيد قواعده، لا يمنع من التنبيه على أن النحو ليس كله قياساً، وإنما هو قياس من جهة ورواية ونقل قد يستعصيان على القياس وينكبان عنه من جهة أخرى.