التفاوت في ذلك ما الله به عليم، ولا بأس هنا من ضرب ثلاثة أمثلة لثلاثة من الفلاّحين في مزارعهم يتّضِحُ به المُرَادُ والمقصود.
المثال الأول:
فلاّحٌ صفتُه فيما يراه الرائي غير مرضيّة، فهو حادُّ الطبع، أحمر العينين، شديدُ الغضب، سريعٌ في اتّخاذ تدابيره، قليلُ الأناة، يتعامل مع نخيله في حديقته معاملة غريبة خرج بها عن سمت الحق في الفلاحة، واعتزل فيها طريق الصواب في ذلك، وذلك أنَّه اعتقد في نخله أنَّ النخلة لا تكون مستحقةً هذا الاسم [أي النخلة] وما يصحب ذلك من رعاية وعناية إلاّ إذا كانت صحيحةً سليمةً مكمّلةً لا نقص فيها بوجه، ولهذا فإنَّه إذا دبَّ إلى نخلةٍ من نخيله شيءٌ من النقص أو اعتراها شيءٌ من المرض أو داخلها شيءٌ من الخلل، فإنَّه يبادر بلا هوادةٍ ولا أناة إلى اجتثاثها من أصلها وقلعِها من جذورها، ثم يلقي بها بأبعد ما يكون من مكان وراء حائطه. هذا دأبه مع نخيله، لا يهتمّ بأمر الإصلاح ولا يعتني بجانب الرعاية والعناية فيه، ولا ريب أن النتيجة الحتمية لهذا العمل هو تبدُّد حديقته، وتفكّك نخيله، وتناقصُه شيئاً فشيئاً.
أما المثال الثاني:
فهو فلاّحٌ آخر يتعامل مع نخيله بطريقة أخرى غريبة وعجيبة، إذ يعتقد أنَّ النخلة لا يصح وصفُها بالنقص مطلقاً، فكما أنَّ النخلة الميتة لا ينفعها وجود بعض أجزائها، فكذلك النخلة الحيّة القائمة لا يضرّها نقص بعض أجزائها، فالنخيل جميعه عنده سواء في درجة واحدة، المريض منه وما اعتراه نقصٌ والصحيح، كلُّه عنده بمستوى واحد وعلى درجة واحدة، بل يصرّح بأنّه سواسية كأسنان المشط لا فرق بينه ولا تمايز ولا تفاضل، حتى آل به الأمرُ إلى