ذلك أن فضيلة الكلام في الأصل إنما ترجع إلى معناه قبل ألفاظه. قال ابن جني في الخصائص: (فإذا رأيت العرب قد أصلحوا ألفاظهم وحسَّنوها وحموا حواشيها وهذبوها، وصقلوا غروبها وأرهفوها، فلا ترين أن العناية إذ ذاك إنما هي بالألفاظ بل هي عندنا خدمة منهم للمعاني وتنويه وتشريف، ونظير ذلك إصلاح الوعاء وتحصينه وتزكيته) وإذا عدنا إلى الإمام عبد القاهر الجرجاني (471هـ) في كتابه (دلائل الإعجاز) ألفينا أنه يؤمن بأن نظم الحروف من الكلمة لا يتم بمراعاة معنى في النفس وإنما يجري بمجرد تواليها في النطق وضم بعضها إلى بعض، أما نظم الكلام في التعبير فإنه لا يتم بتواليه كيفما اتفق، وإنما يتم، باقتفاء آثار المعاني فيترتب على حسب ترتيبها في النفس. فالأصل إذاً أن تعمل الفكر فتتوخى الترتيب في المعاني، فإذا كان لك ذلك أتبعتها الألفاظ وقفوت بها آثارها. ومتى فرغت من ترتيب المعاني في نفسك لم تحتج إلى أن تستأنف الفكر في ترتيب الألفاظ، بل تجدها تترتب لك فتتساوق بحكم أنها خدم للمعاني وتبع لها. وقد أكد الجرجاني هذا المعنى فقال: "فلا نرى كلاماً قد وصف بصحة نظام أو فساده، أو وصف بمزية أو فضل فيه، إلا وأنت تجد مرجع تلك الصحة، وذلك الفساد، وتلك المزية، وذلك الفضل إلى معاني النحو وأحكامه، ووجدته يدخل في أصل من أصوله ويتصل بباب من أبوابه". ومن ثم كان خطأ كثير من الأئمة في الغلو بالعناية اللفظية وقصر اهتمامهم على ضبط أواخر الكلم.
ولا ريب أن صواب الرأي أن يُنهج في النحو نهج الجرجاني، وأن ينأى به إلى ذلك عن أي تعقيد ينبو عن روح اللغة، وأي تعليل يباعد بينه وبين غرضه.
البصرية والكوفية والقياس
قلنا إن البصريين قد عُنوا بالقياس ومضوا فيه وأوغلوا حتى تجاوز متأخروهم طبيعة اللغة وخصوصها، وان للكوفيين أصولهم وعللهم وقياسهم، وانهم لم يقتصروا على الوصف دون الاستدلال والاعتلال، فقد أخذ الكسائي بالقياس فقال: